صديق الحسيني القنوجي البخاري
355
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعن أنس قال : « جاء ابن أم مكتوم وهو يكلم أبيّ بن خلف فأعرض عنه ، فأنزل اللّه عَبَسَ الخ وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد ذلك يكرمه » أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو يعلى . وعن ابن عباس قال : « بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يناجي عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبا جهل بن هشام ، وكان يتصدى لهم كثيرا ، ويحرص عليهم أن يؤمنوا فأقبل عليهم رجل أعمى يقال له عبد اللّه ابن أم مكتوم يمشي وهو يناجيهم ، فجعل عبد اللّه يستقرىء النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم آية من القرآن ، قال يا رسول اللّه علمني مما علمك اللّه ، فأعرض عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وعبس في وجهه وتولى وكره كلامه ، وأقبل على الآخرين ، فلما قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم نجواه وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك اللّه ببعض بصره ثم خفق برأسه ثم أنزل اللّه عَبَسَ وَتَوَلَّى الآية ، فلما نزل فيه ما نزل أكرمه نبي اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وكلمه وقال له : ما حاجتك هل تريد من شيء ؟ وإذا ذهب من عنده قال : هل لك حاجة في شيء » أخرجه ابن جرير وابن مردويه ، قال ابن كثير فيه غرابة وقد تكلم في إسناده . وقال المحلي : فكان بعد ذلك يقول له إذا جاء مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ، ويبسط له رداءه ، وقال الخازن استخلفه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على المدينة ثلاث عشرة مرة في غزواته وكان من المهاجرين الأولين ، قيل قتل شهيدا بالقادسية . قال أنس بن مالك رأيته يوم القادسية وعليه درع ومعه راية سوداء . قرأ الجمهور أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى على الخبر بدون الاستفهام ، ووجهه ما تقدم . وقرأ الحسن ( آن جاءه ) بالمد على الاستفهام فهو على هذه القراءة متعلق بفعل محذوف دل عليه عَبَسَ وَتَوَلَّى والتقدير أن جاءه الأعمى تولى وأعرض . وَما يُدْرِيكَ التفت سبحانه من الغيبة إلى خطاب نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم لأن المشافهة أدخل في العتاب . أي أيّ شيء يجعلك داريا بحاله حتى تعرض عنه . وجملة لَعَلَّهُ يَزَّكَّى مستأنفة لبيان أن له شأنا ينافي الإعراض عنه أي لعله يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح بسبب ما يتعلمه منك لا من الشرك لأنه أسلم قديما بمكة ، فالضمير في لعله راجع إلى الأعمى ، وقيل هو راجع إلى الكافر أي وما يدريك أن ما طمعت فيه ممن اشتغلت بالكلام معه عن الأعمى أنه يزكى أو يذكر ، والأول أولى ، وكلمة الترجي باعتبار من وجه إليه الخطاب للتنبيه على أن الإعراض عنه مع كونه مرجو التزكي مما لا يجوز . ومثل هذه الآية قوله في سورة الأنعام وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ